كيف تغير وسائل الإعلام الاجتماعي الروابط العصبية في الدماغ؟

قديماً، اعتمد البشر على أبسط الطرق في نقل المعلومات من مكان إلى آخر ومن جـيل إلى آخر، وكانت الذاكرة البشرية هي الناقل الأمثل؛ ذلك بالطبع كان قبل بدء عصر السجلات والمخطوطات والكتب والتي سـمحت بتوثيق الوقائع والتاريخ، وكانت البداية مع الإنسان البدائي حيث لم يكن للغة أثرًا واضحاً.

أما اليوم فكل شيء بات محفوظاً في سـحابة الإنترنت (The Cloud) وقد أصبح الآن من السهولة أن تعرف كل ما يدور في العالم من أحداث وأنت جالس في بيتك تحتسي كوبا من الشاي؛ ومع هذه الحقيقة، تضاءلت أهمية الذاكرة.

أخذ التواصل والاتصال بين الناس طرق عديدة تم تطويرها على مر العصور وتتعاقب الأجيال والأجيال، إلا أن الاتصال بين الناس مازال عادة اجتماعية لا غنى عنها.

وكانت البداية عندما استخدم الإنسان القديم النار والدخان للتواصل، ثم تطور بعد ذلك واكتشف الرسوم التعبيرية، ثم اكتشف الكتابة، ثم الرسائل المكتوبة والتي تنقل من مكان لآخر على ظهر الجياد، ثم طبعت الجرائد والكتب، ثم ظهرت آلة تستطيع نقل الرسائل الصوتية وكانت التليفون، ثم ظهرت الشبكة العنكبوتية أو شبكة الإنترنت، إلى أن ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي؛ وهي ما نعاصره الآن.

وقد تتطور عملية النقل والاتصال إلى نقل الجسيمات المادية وربما الإنسان لحظيًا من مكان إلى آخر، وهو ما يعرف باسم النقل الكوانتي للمادة أو Teleportation “الانتقال الآني الكمي”.

وهناك الآن من يرى أن الإنترنت والوسـائط التكنولوجية الحديثة بشكل عام أعـادت تشـكيل طريقة عمل أدمغـتنا وتسـببت بظـهور عـوامل جـديدة لم نعهدها سابقاً.

ذلك كحالة القلق والتأهب الدائم للرد على الرسائل عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، أو انتظار رسائل من أشخاص معينة، أو الدخول في حالات اكتئاب وحالات مزاجية متقلبة، أو تغير الصور الشخصية على هذه المواقع ووضع صور تعبر عن مدى البؤس أو النعيم العاطفي لصاحبها، أو تعكس توجهات فكرية وعقائدية وسياسية، والترقب والخوف وتغير الحالة أو العودة للحالة السابقة لإرسال رسائل ضمنية قد تكون لأشخاص لم نقابلهم من قبل!

وقد تتطور هذه الحالة لتصبح نوعا من أنواع الإدمان حتى في الإجازات والأوقات المخصصة للنوم، إذ أن الكمبيوتر المحمول أو التابلت أو هاتفك الذكي، دائماً إلى جوارك وأنت دائماً في حالة ترقب وانتظار…

هناك طرق كثيرة تؤثر بها مواقع التواصل الاجتماعي والإنترنت بشكل عام على عقلك في الوقت الحاضر؛ حيث أنه 5 – 10 من مستخدمي الإنترنت غير قادرين في الواقع على التحكم في الوقت الذي يمضونه متصلين بالإنترنت.

رغم أنه إدمان نفسي وليس إدمان مخدرات، فإن فحص دماغ هؤلاء الناس كشف عن ضعف في مناطق مماثلة لمناطق الضعف التي يمتلكها مدمني المخدرات.

بالتحديد؛ هناك تراجع واضح للمادة البيضاء في المناطق التي تسيطر على المشاعر والانتباه واتخاذ القرار.

وذلك لأن وسائل التواصل الاجتماعي تمثل مكافئات فورية للعقل مقابل القليل من الجهد المطلوب؛ وهناك مثل يقول: “Easy come, easy go” أو ما لا تجلبه الرياح تأخذه الزوابع، أي أنك بدلًا من البحث والتنقيب في الذاكرة، تجد كل شيء مسجل على ذاكرة صلبة أو سحابية.

نتيجة هذه المعطيات الجديدة يبدأ عقلك بإعادة تركيب نفسه، فيجعلك ترغب في هذه المحفزات وانت ترغب بالمزيد من هذه المثيرات العصبية بعد كل تفاعل. حيث يفرز المخ مادة الدوبامين، وهي المادة الكيميائية التي تعطي الشعور بالتحسن. أليست شديدة الشبة بتأثير المخدرات على عقولنا؟!

نفس الأجزاء من عقلك المتعلقة بالدوافع والحب يتم تحفيزها عبر استخدامك لمواقع التواصل، وتقول بعض الدراسات أن الشركاء يميلون للإعجاب ببعضهم البعض أكثر إذا تلاقوا للمرة الأولى بواسطة الإنترنت، سواء لأن الناس مجهولون أكثر أو ربما لأنهم أكثر وضوحًا عن أهدافهم المستقبلية

بالطبع مثل هذه الدراسات لا تمثل مجتمعنا العربي العزيز 🙂 فربما يحدث العكس تماماً، وقد قال صديق لي:

إيّـاك تكوّن انطبـاع شخصي من أي نوع بخصوص أي إنسان، إيجاباً أو سلبـاً، فقط بناءً على شخصيـته الافتـراضية على السوشيال ميديا؛ فهي مجرد إسقاطات عقلية قد تسبب الإعجاب المفرط بشخص ما أو البغض والكراهية له، ولكن الواقع له أدوات مختلفة تمامًا للحكم على الأشخاص…

حاول دائمًا تجنب هذا الخطأ، لأنه جميعنا بلا استثناء نطبق مبدأ الاسقاطات الخاطئة لأسباب غير موجودة أساساً، نطبقها طوال الوقت وبشكل عفوي.


اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>